بسم الله الرحمن الرحيم

مدخرات في بنك التقوى لنوال خير الدارين

الحافظة الفكرية و الصحية والاجتماعية

قال تعالى :[ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ] . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم
( أعمل للدنيا على قدر مقامك فيها واعمل للآخرة على قدر بقائك فيها واعمل لله على قدر حاجتك إليه واعمل للجنة على قدر شوقك إليها وأعمل للنار على قدر صبرك عليها).
يحسب الناس بأقدارهم و بما لديهم من مدخرات في المؤسسات المالية وبما شيدوه من قصور عامرة . وربما ننسى في زحمة الأيام أننا قد نبني ما لا نسكن ونجمع ما لا نأكل ونزرع ما لا نحصد . فالدنيا ما هي إلا ميقات زماني يتسم بالحينية كما قال الحق ( ولكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين ) وكما قال الإمام على [ ما ابن آدم إلا أيام معدودة إذا مضى يومه مضى بعضه ] . وفي المرحلة القصيرة يمر الإنسان بمراحل شتى من طفولة وصبا وشباب وكهولة، وكل مرحلة تبنى على سابقتها ، فالإعداد النفسي والجسماني والعقلي في سني الطفولة ، يؤثر تأثيراً مباشرا على المراحل التي تليها . فالطفل الذي نشأ في بيئة سوية خالية من العقد النفسية يصبح رجلا صالحا سويا ، يدرك ما له وما عليه في سلاسة ودعه . بينما من ينشأ في بيئة دون ذلك سواء مع والده منفصلة عن الأب منصرفة لمتطلباتها الخاصة أو مع والد يشعر دوما بأنه عبء ثقيل ، أو مع أي قريب أو قريبة يحملا بطاقة والده بديلة أو والد بديل . هنا لابد أن تؤثر هذه التنشئة الموجعة على سلوكياته عندما يصبح شابا مسئولا إنه حتما سيحمل مدخراته النفسية في حقبة الذاكرة، وناهيك عن رد الفعل سواء على المحيطين به أو على نفسه .
لهذا وضع المشرع الحكيم الضوابط ذات الفعاليات المؤثرة على الأسرة عموما من حيث مبتدأ الاختيار لكل من الزوجين ومن حيث كم الحقوق والواجبات لكل منهما حتى في الطلاق الذي عده تشريعاً استثنائيا إن تعذرت الحياة الزوجية .
لذا وضع المشرع الحكيم، الإجراءات المضادة التي تحول دون وقوعه حتى لا يُحرم الأبناء من البيئة الطبيعية التي لابد وأن تحتويهم وهم بعد زغب ألحوا صل. وحتى إن لم يكن سوى الطلاق مطببا لجراحات الأسرة . فقد وضع المشرع العليم عبارات نديه لما بعد الطلاق . منها السراح الجميل ، التسريح بالإحسان ، والفراق بالمعروف ، وما ذلك إلا حفاظا على مدخرات الأبناء النفسية والعقلية فتبقى لوالديه مكانتهما الداعية للبر دوما ، وتحتفظ الأسرة الكبيرة بدورها في الرعاية والحب، لتبقى الصلة الرحيمة كما أرادها الله وإلا ورث الصغير كراهية أمه وجده وخالته من أب كاره ، أو أرضعته الأم لُبان القطيعة لوالده وجدته وعمه .
إن الأيام وعاء السلوك والنفوس تلك التي تحفظ موروثا موجعا وآخر مضيعا وربما تحيلها عذابات الطفولة إلى نفس أمارة بالسوء . وإذا كانت المرحلة الأولى قدر كُتب علينا ليس لنا فيه ناقة ولا جمل . فإن علينا أن نتعامل بحرص، في مرحلة اكتمال الشخصية ( مرحلة النضج والتكامل ) وخاصة بعد ما أضحى الإعداد المدخر للغد مسئولية شخصية، حتى لا نقع في دائرة ظلم لأنفسنا أو لغيرنا ( كما ظلمنا) . فنبدأ من الآن بإعداد جملة المدخرات التي تمكننا من حياة طيبة في الدنيا ورصيدا مدخراً يمنحنا بطاقة دخول للجنة إن شاء الله في الآخرة . فهناك من يبلغ الشيخوخة وهو بعد في سني الرشد والشباب ، وهناك من يرفل في حلل الشباب النفسي والروحي والجسماني و هو في مرحلة الشيخوخة سنا ، عموما الشيخوخة حالة نفسية وعقلية وجسمية لا تخضع لبلوغ عمر زمني معين . إذ الشيخوخة النفسية لا تتواءم بالضرورة مع المتغيرات الجسمية التي تحدث في هذه السن وما بعدها . فقد تحدث مبكرة في الرشد المتأخر . وقد تتأخر كثيرا وكل هذا يتوقف على ما أدخره في شبابه ومدى استثماره لطاقاته المعرفية والوجدانية والاجتماعية بل والجسمانية ، ويتوقف أيضاً على مدى سيطرته على رغباته وأهوائه ونوعية خبراته وأصدقائه أيضاً .
وعندما تصفحت النظرية الإسلامية في بناء الفرد المسلم وجدت منهج الوسطية والاعتدال ينظم هذه المدخرات بسلاسة وقد آثرت أن أبدا هذه المدخرات بالمدخر الروحي الذي يمكن الإنسان من مواجه غده، دون شعور بالخوف من المجهول، وذلك لو أعد نفسه إيمانياً، بأن يؤمن بالله، ويرضي بقضائه، ويسعى لمرضاته، ويؤدي المطلوبات التعبدية، ويصبر على المحرمات، ويدرك الحكمة من أداء هذه التكليفات .
فالصلاة ترويض للنفس على الخشوع والاستكانة وبالتسليم والتواضع لله . فهي الصلة الدائمة بين الإنسان وخالقه وهي المتنفس الهادي المنظم الذي يحمي رئة الأيام من الران والخبث وهي الوسيلة العظمى لتزكية النفس . والصوم : ترك ما نحب إلى ما يحب ومعايشة للحرمان ومشاركة للمحروم وطريقة تربوية منفردة لتقوية الإرادة وإضعاف جبروت إلف العادة . فإن أمر بالحمية لمرض ، أو كبر فهو معد قبلا للامتثال للأمر .والزكاة : تدريب يدور مع كل كسب على مفارقة أحلى ما يحب طواعية مع يقين إيماني ثابت أنه مفارق لما جمع لمن يحب ومن لا يحب وهي مطهر فعّال للنفس من ذميمة الشح ونقيصة البخل فإن قربت المفارقة وأوشكت رحلته على المغيب فهو آمن لأنه مطمئن أدخر في بنك التقوى ، لأنه اكتسب حلال وأنفق قصدا وقدم فضلا .
والحج : إعلان عملي عن حقيقة الإسلام الذي تلبس به المسلم، إذ تفرد دون سائر العبادات بمشقة الانتقال أو السفر . وهو مقولة رامزة لرحلة الحياة والموت والسلام والصبر والتلاحم والتعارف ، يعايش فيه المرء رحلة الحياة من مبادئها إلى مساربها . فيبدأ الرحلة كمن جاءه الأمر بالسفر لخالقه، اغتسال وصلاة ورداء بسيط يشبه الكفن ووداع للأهل والأحباب ووقوف بعرفة يشبه يوم الحشر ، ثم رمي الجمار يشبه التوبة والخلوص من الآثام و المعاصي، ثم عود للأهل مرة أخرى وفي ذلك تذكير باليوم الذي يفارق فيه بلا عودة. و في الحج يقف الإنسان أيضا قبالة نفسه فيصدقها فترقى من نفس أمارة لترقي إلى اللوامة ثم الملهمة ثم المطمئنة ثم المرضية.
فتشتد خشيته فهو عامل بالنهار ذاكر عابد في الليل . يقول تعالى عنهم ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ) . فهو على يقين إن الموت خَلّقُ جديد يقول الحق ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) . والخلق ضد العدمية وأنه بعد عبور جزيرة الحياة وجزيرة الموت ليحيا حياة أبدية في عالم النور ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحيكم ). ترى أي مدخر أبقى وأحفظ في الآخرة من إيمان صادق و عمل صالح .
و صدق الحق حين قال (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا )
 

الصفحة التالية