الإعاقة وموقف المجتمع منها 3

لنعد أذن إلى تراثنا العظيم :
فحين عبر أبو العلاء المعري بالعمى .. أجاب  / قالوا : العمى منظر قبيح قلت بفقدانكم يهون  والله ما في الوجود شئ تأسى على فقده العيون  ورأى الوليد بن عبد الملك في منامه رجلا من أهل الأندلس – أعرج – يكني أبا عبدالرحمن من أهل الجنة ، يفتح الله على يدية المغرب ..  وحينما عرف بذلك موسى بن نصير . بعث إليه يقول  أنام الله عينك يا أمير المؤمنين .. أنا أبو عبد الرحمن .. وأنا موسى بن نصير .. وأنا أعرج ..وأنا في الأندلس … ولقد فطن العرب في كتاباتهم المتقدمة إلى تصنيف المعوقات التي تلحق بالإنسان .. وأفردوا لها مصنفات ودراسات خاصة .. قائمة على إقرار نظرية التعويض الذي بثها الله في نفوس هؤلاء البشر … قبل أن يكتشفها العلم الحديث بعدة قرون .. ومن هؤلاء القدماء الذين وصلوا في هذا المجال شوطا بعيدا : الجاحظ في كتابة : البرصان والمعرجان والعميان والحولان ومنهم كذلك الهيثم بن عدي في كتابه : المحبر ، وابن قتيبة في المعارف .. ويبدو من خلال هذه الأبحاث وغيرها سعة أفق أصحابها في نظرتهم إلى التعويض … ويأتي كتاب الجاحظ في مقدمة تلك المصنفات الهامة في هذا المجال … فقد عقده الجاحظ للحديث عن ذوي العاهات من أشراف العرب ومشاهيرهم .. وقد اتخذ من كتاب الهيثم بن عدي تكأة لتأليف هذا الكتاب ... وينحو الجاحظ بكتابه هذا منحي جادا ، مؤكدا به أن هؤلاء الناس أصيبوا بعاهة مقعدة مثبطة ، كان من الممكن أن تهبط بهم الأرض ، لكنهم سموا بأنفسهم عن ذلك . ولم تعقهم عاهتهم عن أن يكونوا قادة عظماء ، أو حكاما أفذاذا ، أو علماء وأدباء وشعراء لهم مكانتهم في الفكر العربي .
الملاحظ أن التاريخ العربي قديمه وحديثه يحفل بالأحداث والمواقف والروايات التي تدور حول المعوقين النجباء ، والتي تعطي أروع مثال في التحدي والأرادة بما لا يقع تحت حصر … فنجد أن عالم المكفوفين يجئ في مقدمة هذه الأمثلة .. فيضم كثرة من الفرسان الذين حفروا لأنفسهم مواقع غائرة في جسد التاريخ العربي ، وأنجزوا ما لم ينجزه غيرهم من المبصرين … بل أن المفكرين العرب يفرقون بين البصر والبصيرة .. فالبصر هو نور العين ، الذي به ترى وتبصر . في حين تعبر البصيرة عن نور القلب الذي يهتدي ويستبصر .. كما تطلق كلمة البصيرة على البيان والحجة الواضحة والمعرفة واليقين .. وربما اتضحت هذه الصورة أكثر منذ وضع الضمير العربي العدالة من المبادئ الخالدة في التفكير العربي .. ومن ثم آمن العربي بنظرية التعويض العادل فما من شئ يفقده الإنسان – دون أثم منه – إلا عوضه الله بما يقوم مقامه أو ما يعزيه عنه …فتقدمت البصيرة على البصر .. ذلك أن المصيبة ليست في فقدان البصر بقدر ما هي فقد البصيرة أعمالا لقوله تعالى " فأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " ويحكى لنا التاريخ العربي كيف كان الكفيف يفخر بعماه .. ويعمل على التغلب عليه بإرادة قوية معجزة .. بل بقدرته على القيام بالخدمة العامة في أروع صورها . لقد ضرب عبدالله بن عباس أروع المثل في المنطق والحجة والتفقه في الدين ، حتى أنه عرف بترجمان القرآن . وخير الأمة وأبى الخلفاء . وكان يعرف نفسه قائلا :  أن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وسمعي منهما نور
وهذا عبدالله بن أم مكتوم هذا الصحابي الكفيف الذي عاتب فيه رسول الكريم وأنزل في شأنه
قوله تعالى :( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) لقد أقبل عليه الرسول الكريم قائلا : أهلا بمن عاتبني فيه ربي ثم يستخلفه على المدينة ثلاث عشرة يوما حينما كان يخرج الرسول الكريم في غزواته /، فيقوم عبدالله على قيادة المسلمين خير قيام ثم يعمّر بن أم مكتوم حتى يسهم بنفسه في معركة القادسية ويحمل اللواء وهو يقول :  ( ادفعوا إلى اللواء فأنني أعمى لا أستطيع أن افر ، وأقيموني بين الصفين )  ويقاتل المجاهد المكفوف بنور بصيرته حتى يستشهد
وهذا بشار بن برد يفاخر بعماه فيقول : عميت جنينا ، والذكاء من العمى  فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وهذا على بن عبدالغني الحصري يؤكد ان فقد البصر يزيد القلب جلاء ، وقدرة على الفهم فيقول :
وقالوا : قد عميت فقلت : كلا وأني اليوم أبصر من بصير
ويروى عن أبي العلاء المعري روايات كثيرة في قدراته على تحدي عجزه .. وأنه كان يمتلك موهبة الحفظ من أول مرة ، وكان يقول عن نفسه :  ( ما سمعت شيئا إلا حفظته ، وما حفظت شيئا ونسيته )
ومن النماذج التي يفخر بها الفكر العربي في عالم المكفوفين :  أبو قحامة والد أبي بكر الصديق ، وحسان بن ثابت شاعر الرسول والشاعر محمدبن القاسم
( أبو العيناء ) وابن منظور صاحب لسان العرب ، وأبو الحسن الحصري الفيرواني الشاعر المعروف – وابن سيدة اللغوي صاحب المخصص والمحكم ، والمحيط الأعظم وغيرهم .. و أبو سفيان بن حرب الذي ذهبت عينه يوم الطائف ،والمغيرة بن شعبه الذي ذهبت عينه يوم القادسية ،وعمرو بن معد يكرب الذي ذهبت عينه يوم اليرموك ، وقيل عنه في هذه المعركة  ( أنه كان أشرف رجل برز فيها ) – وقد عده عمر بن الخطاب بمقام ألف رجل من الفرسان … أما الحولان .. فقد اعتبر المفكرون العرب أن الحول إعاقة والحول في اللغة أن تميل أحدى الحدقتين إلى الأنف وأخرى إلى الصدغ – ومن ثم فهو عامة تحول دون ممارسة الإنسان حياته الطبيعية .
أما طائفة العرجان فهم كثيرون . وفخرهم بعرجهم يثير الدهشة حقا فهم يحيلون به عاهتهم إلى قوة وإرادة وحياة كاملة . هذا عدى بن عمر الشاعر الجاهلي ، المعروف بالطائي الأعرج .وممن اشتهروا بالعرج عبدالرحمن بن عوف – أحد العشرة المبشرين بالجنة – وأبي السود الدؤلي العالم اللغوي ، وأبي العلاء يزيد الفقية البليغ – والشاعر الأحوص الأنصاري – وسلمان بن ربيعة الباهلي الذي كان أبصر الناس بعنق دابه – وموسى ابن نصير القائد العربي المشهور – ومعاذ بن جبل الذي شهد بدرا وله عشرون سنة وكان أحد من جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الصفحة السابقة                                                 الصفحة التالية