أعرف نفسك

 

 " وتحسب أنك جرم صغير وفيك أنطوي العالم أجمع "
يقول الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم [ من عرف نفسه فقد عرف ربه].
يقول تعالي { إنا عرضنا الأمانة علي السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}.
أنا" بذرة ، نشأت منها شجرة طوبى نورانية عظيمة ، وشجرة زقوم رهيبة ، تمدان أغصانهما ، وتنشران فروعهما، في أرجاء عالم الإنسان ، من لدن أدم عليه السلام إلي وقتنا الحاضر.
"أنا" مفتاح ، يفتح الكنوز المخفية للأسماء الإلهية الحسنى ، كما يفتح مغاليق الكون .
"أنا" وحده قياسية تُعرف بها أوصاف الربوبية وشئون الألوهية. ولا يلزم أن يكون للوحدة القياسية وجود حقيقي ، بل يمكن أن تركب وحده قياسية بالفرض والخيال ، كالخطوط الافتراضية في علم الهندسة.

سؤال : لم ارتبطت معرفة صفات الله جل جلاله وأسمائه الحسنى بــــــ"أنا" الإنسان ؟.
الجواب : إن الشيء المطلق والمحيط ، لا يكون له حدود ولا نهاية ، فلا يُعطي له شكل ، ولا يُحكم عليه بحكم ، وذلك لعدم وجود وجه تعيين وصورة له ، لذا لا تُفهم حقيقة ما هيته .
فمثلاً : الضياء الدائم الذي لا يتخلله ظلام ، لا يُشعر به ولا يُعرف وجوده ، إلا إذا حدد بظلمة حقيقية أو موهوبة.
 فإن صفات الله سبحانه وتعالي : كالعلم والقدرة – وأسمائه الحسنى : كالحكيم والرحيم.. لأنها مطلقة لا حدود لها ، ومحيطه بكل شيء ، لا شريك لها ولا ند ، فلا تعرف ماهيتها ، لذا لابد من وضع حد فرضي وخيالي ، لتلك الصفات والأسماء المطلقة ، ليكون وسيلة لفهمها ، حيث لا حدود ولا نهاية حقيقية لها.. وهذا ما تفعله "أنا" في الإنسان. إذ يتصور في نفسه ربوبية موهومة ، ومالكية مفترضة ، وقدرة وعلماً .
ويفهم بربوبيتة الموهومة التي يتصورها في دائرة ملكه ، ربوبية خالقه المطلقة في دائرة الممكنات .. ويدرك بمالكيته الظاهرية ، مالكية خالقه الحقيقية ، فيقول : كما أنني مالك لهذا البيت ، فالخالق سبحانه كذلك مالك لهذا الكون.. ويعلم بعلمه الجزئي ، علم الله المطلق .. ويعرف بمهارته المكتسبة الجزئية ، بدائع الصناع الجليل ، فيقول مثلاً : كما أنني شيدت هذه الدار ونظمتها ، كذلك لابد من منشئ لدار الدنيا ومنظم لها.
فقد اندرجت في "أنا" آلاف الأحوال والصفات والمشاعر ، المنطوية علي آلاف الأسرار المغلقة .
”أنا" لا يحمل في ذاته معني ، بل يدل علي معني في غيره كالمرآة العاكسة ، والوحدة القياسية .
فهو شعرة حساسة من حبل وجود الإنسان الجسيم .. وهو خيط رفيع من نسيج ثوب ماهية البشر .. وهو حرف "ألف" في كتاب شخصية بني آدم ، بحيث أن ذلك الحرف له وجهان:
وجه متوجه إلي الخير والوجود .
الوجه الآخر: متوجة إلي الشر ويُفض إلي العدم .
فالذي يعرف ماهية "أنا" علي هذا الوجه ويذعن له . يدخل ضمن بشارة قوله تعالي { قد أفلح من زكاها }الشمس.
ويكون قد أدي الأمانة حقها ، فيدرك بمنظار "أنا" حقيقة الكائنات والوظائف التي تؤديها .
وعندما ترد المعلومات من الآفاق الخارجية إلي النفس ، تجد في "أنا" ما يصدقها ، فتستقر تلك المعلومات علوما نورانية ، وحكمة صائبة في النفس .
وحينما يؤدي "أنا" وظيفته علي هذه الصورة ، يترك ربوبيتة الموهومة ، ومالكيته المفترضة – التي هي وحدة قياس ليس إلا ، ويفوض الملك لله وحده قائلاً : له الملك ، وله الحمد ، وله الحكم ، وإليه ترجعون. فيلبس لباس عبوديته الحقة ، ويرتقي إلي مقام أحسن تقويم .
ولكن إذا نسي "أنا" حكمة خلقه ، ونظر إلي نفسه بالمعني الأسمى ، تاركا وظيفته الفطرية ، معتقداً بنفسه أنه المالك ، وأنه الرزاق ، فقد خان الأمانة ، ودخل ضمن النذير الإلهي : { وقد خاب من دساها }الشمس.
فيا أيها الإنسان :
إن حياتك كلمة حكيمة ، مكتوبة بقلم القدرة الإلهية... وهي مقالة بليغة . وكأن حياتك نقطة مركزية ، لجمع أنواع تلك التجليات الإلهية ، المتجلية علي العالم أجمع .
أما "كمال سعادة حياتك" فهو :
الشعور بما يتجلي من أنوار التجليات الإلهية وأعلم أنك أنا مسافر في وديعتك ، وأمانتك ومملوكك الذي هو هذا الجسد بمشتملاته .
وأعلم يا "أنا" : أنك تعاميت عن دنياك :
أما الجسد : فكالثمرة المتزهرة المتزينة وأما إنسانيتك : فمترددة بين الانطفاء الاصطفاء .
وأما حياتك (أي مدة بقائك وعمرك ): فكقامتك قصيرة ، معينه الحدود ، لا تقدم ولا تؤخر ، فلا تتألم ولا تحزن ولا تخف عليها ، ولا تحملها ما لا طاقة لها به ، مما تطاول إليه طول الأمل .
وأما وجودك : فليس ملكا لك ، فله مالك ، له الملك وأشفق به منك . فافده لموجده الذي يشتريه بثمن غال .
وأما مصائبك : فليس لها مرارة حقيقة ، لأنها تمر سريعاً ، بل تحلو لأنها تحول ، فتحول وجهك من الفناء في الفاني البقاء الباقي .
وأما لذائذ الدنيا : فقسمتك تأتيك ، فلا تطش في طلبها .
فيا نور النور بحق اسمك النور ، أخرجنا من الظلمات ألي النور
{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلي النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلي الظلمات }.