المرأة و المعترك السياسي و موقف الفكر الإسلامي منها

كثر الحديث حول مشاركة المرأة في المعترك السياسي. بدء همسا , و تحول إلى مطالبة تبلغ درجة الاستفزاز ,ثم أصبح ذريعة جديدة للهجوم على الإسلام الذي التصقت به جهارا و تبجحا كل مثالب البشر في مجالات حياتهم المتباينة.فلو استغاثت امرأة من بطش زوج أو والد لقالوا طبعا مسلمة تعيش في كهوف الإسلام مع رجل موتور أو مسحوق. ثم تبنت الهيئات الكونية الموقرة مشروعات خدمية لإعادة الحقوق السليبة للمرأة المهانة !!!! لانتمائها للإسلام !! ثم تعالت الهتافات عبر الجمعيات النسائية و لجان حقوق الإنسان مطالبين الحكومات العربية و الإسلامية بخروج المرأة للحياة السياسية . و استجابت بعض الصحف الحزبية لهذه الضغوط و خرجت بعض النخب المثقفة تدعو المرأة إلى رفض كل تسلط ذكوري و الكفاح من أجل الحرية و الديمقراطية و الخروج من الجمود الذي فرضته شريعة الإسلام .و تواصلت الفضائيات لتدشين نجاح العقوق و النشوز باعتباره أول خطوات نحو طريق الديموقراطية و إذا بالـ

(MEPI المبادرة الأمريكية للشراكة مع الشرق الأوسط ). تتصدى لهذا المعترك بصورة عملية فتقوم بدعم جهود الإصلاح الاقتصادي و السياسي و التعليم فتركز على المرأة و الشباب, و تدعم ورشة عمل لبناء المهارات السياسية , و تدرب النساء على دخول المعترك السياسي و جعلت من الوكالة الدولية الأمريكية و معهد و اشنطن لسياسات الشرق الأوسط الرقابة المباشرة على التنفيذ .فاحتدم الجدل و الصراع و افترض النقاش و الحوار و اتسعت دائرة الإنكفاء على الذات و الالتهاء بهذه الاطروحة البراقة التي وجدت سقفا و غطاء له بعده السلطوي الذي يذكرنا بملوك الأندلس, الذين استعانوا بأعدائهم على إخوانهم.
راعني هذا الزخم من الافتراضات و الافتراءات , لذا آثرت أن أجعل مقالتي تدور حول موقف الفكر الإسلامي من مشاركة المرأة سياسيا و موقف الآخر من نفس القضية و كيف و متى نشأت مطالبتهم بالمشاركة السياسية في الغرب .من المعلوم أن الإسلام اعترف بأهلية المرأة لكل تكليف إيماني و اجتماعي و تعبدي و مالي و جهادي و أخلاقي كالرجل سواء بسواء . كما قرر لها حق التملك و حق التصرف في مالها بكافة أنواع التصرفات. جعل لها الحق المطلق في إبداء الرأي و في أخذ البيعة و في الوصية, و هذا يعني أن المساواة بين المرأة و الرجل في الحقوق و الواجبات هي القاعدة التي تبنى عليها سائر العلاقات . و المشاركة السياسية من جملة الحقوق و الواجبات و ذلك إعمالا للقاعدة الفقهية التي تقول أن الأصل في الأمور الإباحة. فما دام لم يرد نص يمنع بل و جد منها ما يدعم و يؤيد من ذلك قوله تعالى :{ و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف }فلقد فسرها البعض بأنها عامة في مطلق الحقوق و الواجبات و لا تقتصر على الحقوق الزوجية فحسب أيضا قوله تعالى :{ و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر } و كذلك قوله تعالى :{ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا } إلى أخر الآية . لذا أمر الرسول (صلى الله عليه و سلم ) ببيعة النساء أسوة بالرجال . كذلك وضحت الممارسة الفعلية للمشاركة السياسية عند كل من يقرأ عن عصر صدر الإسلام , فهذه سيدة من البيت النبوي تأخذ عهدا بإجارة كافرين , فيذعن لها الرسول (صلى الله عليه و سلم ) باعتباره القيادة السياسية الدينية المسئولة آنذاك.فنجد أم هانئ تقول بقوة وشموخ : إني أجرت رجلين من لحمائي

 فيقول الرسول (صلى الله عليه و سلم ):{ قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ }.
و هذه سيدة أخرى تؤمن بضرورة تضافر قوى الشعب و حتمية الوعي بالمصالح العامة .إنها أم سلمة تأمر ماشطتها أن تكف عن تزينها لمجرد سماعها نداء القائد العام في المسجد يقول :يا أيها الناس , و عندما تعجب ماشطتها من هذه الجدية هذا و الانتباه تقول لكنه لم يناديك و إنما يقول يا أيها الناس و هنا تقول السيدة المسئولة : ألست من الناس . و أخرى تبادر بالاستجابة و التوجه الفوري إلى المسجد بمجرد سماعها لقول من ينادي :الصلاة جامعة و هذا يعني مناقشة أمر بالغ الأهمية , فالمسجد يشكل حينذاك مركز القيادة و التخطيط . و هنا تقول فاطمة بنت قيس :فمضيت فيمن مضى من الرجال .
بل نجد آيات يتعبد بها, تثني على المرأة التي تقود أمة و تبرز مدا رجاحة عقلها وحكمتها في إدارة شئون الحكم بالتزامها بمبدأ الشورى و مهارتها في اختيار الأسلوب الذي تتعرف من خلاله على مهالك و مثالب الحكام إن أقبلوا على الدنيا يقول تعالى على لسان بلقيس :

{ يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } ثم يقول تعالى في موضع أخر :

{ إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون }, وبناء على هذا نجد الفكر الإسلامي لم ير حرج في بحث مدى مشروعية تولي المرأة الولاية الخاصة و العامة, بل منهم من أفتى بجواز توليها سائر الولايات بما فيها الولاية العامة .و هذا يعني أنهم فقهوا من مرونة النصوص الشرعية ما ينأى بها عن الجمود . إذ لم ترهبهم مفردات فكرية مشحونة بالتعسف ضد المرأة و تلح بحتمية الارتداد إلى فكر السلاطين حيث سجون الأحوط بل و لم ينخدعوا بمزج هؤلاء لمرتكزاتهم اللا شرعية و اللا عقلية بقدر من القدسية التي فسرت بأستخدام آليات داعية للتكلس و الجمود والهجرة إلى الوراء و التنكر لمعطيات التطور .
أما ثقافة الاستعلاء التي تفرض علينا منهجيتها تلك التي تقوم على سلب الأخر موروثاته القيمية و دمغها بالرجعية والتسلط الذكوري لتقدم لنا البديل و النموذج كما تدعي أتساءل متى حظيت المرأة عندهم بحقها في المجال السياسي سنجد أنها خرجت إلى العمل في أعقاب الثورة الصناعية و نتيجة للظلم البين الذي تعرضت له طالبت بمساواة الرجل في الأجر , ولكي يكون لصوتها صدا طالبت بحق الإنتخاب و الترشيح لكننا نجد أن البند الخاص بمشاركة المرأة في حق الإنتخاب تغير و عدل مرات , بل و نجد تفاوتا بين الموافقة على المشاركة و بين التطبيق و الممارسة و لم يدخل في ذلك مدى تقدم الدولة المطبقة للدستور من عدمه . فالولايات المتحدة راعية الديمقراطية تقررت فيها المساواة بين المراة و الرجل عام 1920 ,وفرنسا لم تقرر هذا الحق إلا عام 1945, و انجلترا عام 1928. بيد أن دول أخرى أقل شهرة سبقتها في هذا الشأن .إذ منحت استراليا النساء هذا الحق عام 1901 . أما النرويج ففي عام 1913 , وتركيا 1934 , و نيوزلاند عام 1921 , و أفريقيا الشرقية عام 1919. بينما المرأة المسلمة وعت هذا الدور منذ مبتدأ الدعوى و تأسيس الدولة الإسلامية. و النماذج التاريخية تشي بذلك, لهذا نقول تتمة للأمر, أن الفقه السياسي يقوم على قاعدتين أساسيتين :فقه الموازنات و فقه الأولويات . وبما أن المرأة نصف المجتمع و لأن الأمة لن تنهض بجناح يعمل و أخر مسلوب أشل . كانت مشاركة المرأة على سبيل الوجوب بل من الفروض الكفائية التي تبلغ أحيانا درجة الفروض العينية فلها الحق في انتخاب من يمثلها و لها الحق في ترشيح نفسها إن كانت لديها القدرة و العلم شريطة الالتزام بالضوابط الشرعية التي تميز الخبيث من الطيب و التي منها الاحتشام و الالتزام وغض البصر وعدم الخلوة والحق نجحت الكثيرات من الفضليات في الوطن العربي في هذا الشأن.المهم ألا يؤثر ذلك على مهمتها الأولى ألا و هي الأسرة و الأبناء إعمالا للقاعدة الشرعية الضرورات تقدر بقدرها . و أخيرا أن يكون الباعث وراء المشاركة مصلحة الأمة و تجنيبها ويلات التدخل السافر و أن تعي أن يكون القرار نابعا من المصلحة العامة و ليس وسيلة للإلهاء أو الانكفاء على الذات حتى نقطع الطريق على صناع الهيمنة الذين يودون بل و يخططون لاستلاب الأرض و العرض و التاريخ .