حماية الطفل من الإهمال والعنف واستغلال الأطفال 2

ثالثاً : حق الولد في الحياة :
سنجد المواثيق الدولية قد تسابقت بل تبارت ، في أسلوب رعاية هذا الحق وتولته بالتحليل والتفصيل والتعديل برغم من إباحتها الإجهاض ، إلا أننا نجد سبقاً للشريعة المحكمة مع ضوابط إيمانية وأخلاقية تتضمن الإخلاص في التنفيذ .
فقد عنيت الشريعة الإسلامية بالطفولة وتعدتها بالرعاية وهي بعد في مرحلة التخليق ، وهو ما يطلق عليه اسم الجنين وتبدأ رعاية الأجنة بتوجيه الآباء إلى الاحتياط من تملك الهوى والشهوة عند وضع النطفة كي لا تستأثر به النزعات الشيطانية . فأوجب التسمية بقول الرسول صلى الله عليه وسلم( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لا يضرة الشيطان أبداً ) .
حث الأم على الحفاظ على جنينها والتحرز من إسقاطه ويشبه ابن سيناء تعلق الجنين بالرحم كتعلق الثمرة بالشجرة ، فإن أخوف ما يخاف على الثمرة أن تسقط إما تسقط عند ظهورها ، وإما عند إدراكها . كذلك أشد ما يخاف على الجنين ، أن يسقط عند أول العلوق . لهذا وجب عليها أن تتحرز من الأسباب المفضية إلى الإجهاض في هذه الفترة . فتعمد إلى التغذية السليمة والراحة النفسية والبدنية .
حرم الإسلام قتل الأجنة وبخاصة بعد الشهر الرابع إلا لضرورة تقتضي ذلك ويقول طبيب مسلم : ومن تعمدت قتل جنينها أو تعمد ذلك أجنبي ففيه " القود " أي القصاص .
كذلك أوجب الإسلام تأجيل العقوبة على المرأة الحامل حفاظاً على الجنين حتى لو ولد زنا .
كما أباح للمرأة ترك فريضة الصوم إن خشيت على نفسها أو جنينها التهلكة . وكذلك المرضع وقد أجمع الفقهاء على ذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحبلى والمرضع الصوم ) ( سنن النسائي ) .

رابعاً : حقه في الرضاع :
وكذلك يتعين على الأم إرضاعه إن امتنع عن المرضعة المستأجرة أو المتبرعة . ثم حددت الشريعة المدة المناسبة للرضاع التي بعدها يكتمل بناؤه ، ويتهيأ للطعام العادي ، وذلك في قوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }.
ثم أوجبت على الزوج الإنفاق عليها وزيادة المخصص لها من مطعم ومشرب للمحافظة على صحتها مع رعايتها نفسياً ، أما إن كان بالأم علّة مانعة من الرضاع أو إن امتنع عن الرضاع منها ، أو توفيت الأم فعلى الزوج إحضار من ترضعه ولو بأجر أو إرضاعه صناعياً . ولرضاع الأم وليدها الرعاية الجسمية بالبناء والإنشاء غاية نفسية أيضاً تمنحه قدراً من الأمان والاستقرار النفسي والرضا . فرضاع الأم زاد للنفوس لنماء الروح قبل البدن ، وبث غراس المودة والحب والحنان والرحمة وبها جميعاً تتبلور الشخصية المستقرة عاطفياً ونفسياً .

خامساً : حقه في الحضانة:
حيث تقف الشريعة الغراء بجوار المرأة لحماية حقها في حضانة الوليد باعتبارها الحاضن الطبيعي الذي لا يرقى إليه أي خارجي ولو كان الأب نفسه ، فكانت الضوابط التالية :
( أ) أجمع الفقهاء على أن الحضانة حق الأم ما لم يقم بها مانع من زواج أو جنون أو إهمال .
(ب) كما أوجبت الشريعة الأجر للحاضنة. ثم تجب بعد ذلك لكل ما عداها فتؤخذ من مال الصغير إن كان له مال . وإلا فعلى الأب نفقة الحضانة لأنها من جملة النفقات الواجبة عليه إن كان قادراً عليها . أما إن كان معسراً ولم توجد من تتبرع بحضانته تجبر الأم على حضانته ويبقى أجر الحضانة ديناً في ذمته لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء . ويستمر حتى تنتهي فترة الحضانة ، وتستحق الأم أجر الحضانة بعد انقضاء عدتها مباشرة ولا يتوقف ذلك على قضاء قاضِ .
(ج) كما حددت الشريعة مكان حضانة الطفل مراعية في هذا التحديد مصلحة الطفل خلال فترة الحضانة ولا تتيقن المصلحة إلا بالجمع بينه وبين أمه وإشراف أبيه ، لهذا وجب أن يكون المحصون في مكان قريب من والده أو في بلد قريب منه .
( د) كما أوجبت تمكين الأب من رؤية ولده وكذلك الأم إن انتقل إلى والده وأيضاً لا يحرم الولد من حقه في رؤيتها جميعاً .
(ه) كما حددت الشريعة مدة الحضانة فاتفق الفقهاء على بدايتها وإن اختلفوا حول نهايتها

سادساً : حقه في النفقة :
أوجبت الشريعة نفقة الصغير على أبيه لضمان رعايته وسلامته وذلك في قوله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } . وجعلت النفقة رغم وجوبها على الآباء قربى إلى الله ، ووسيلة من وسائل الترقي عنده بل سبق فضلها في الأجر أجر النفقة في سبيل الله . فعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال

( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ، ودينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ) ، قال أبو قلابة بدأ بالعيال وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم ) .بل جعل الكدح والعمل لتوفير النفقة للأبناء سبباً في تكفير الذنوب ..( إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الهم في طلب الرزق ) .
 

الصفحة السابقة                                                 الصفحة التالية