الإسلام ومنع إساءة معاملة الأطفال 1

من المعلوم بداهة أن قلب الأبوين مفطور على محبة الأولاد ومتأصل بالمشاعر الأبوية لحمايتهم والرحمة بهم والشفقة عليهم والاهتمام بأمرهم وآلا لما صبر الأبوين علي رعاية أولادهم والسهر على أمرهم والنظر في مصالحهم، ويصور القرآن الكريم تلك المشاعر الأبوية الصادقة أجمل تصوير فتارة يجعل الأولاد زينة الحياة الدنيا يقول تعالي { المال و البنون زينة الحياة الدنيا }. الكهف: 46 ، وتارة يعتبرهم نعمة عظيمة تستحق الشكر عليها وذلك في قوله تعالى { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلنا أكثر نفيرا} الإسراء : 6.
وفي ثالثة يراهم قرة للأعين

 وذلك في قوله تعالي {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} الفرقان :74، وغيرها الكثير والكثير من الآيات القرآنية التي تصور عواطف الأبوين نحو أولادهم وتكشف عن صدق مشاعر هما ومحبة قلبيهما تجاه أفلآذ الأكباد وثمرات الفؤاد .
ومن أهم المشاعر التي أودعها الله شفى قلب الأبوين الشعور بالرحمة نحو الأولاد والرأفة بهم والعطف عليهم ، ولقد رسخت الشريعة الإسلامية تلك المشاعر وحضت الكبار من أباء، وأمهات، ومعلمين، ومسئولين، علي التحلي بهذه الأخلاق وليس أدل على ذلك من اهتمام النبي ( ص ) بموضوع الرحمة وحرصه الزائد على تحلى الكبار بهذا الخلق الكريم والشعور النبيل ، فكان ( ص ) إذا رأي أحد من أصحابه لا يرحم أولاده يزجوه بحسم ويوجهه إلي ما فيه صلاح المنزل والأولاد، فقد روي عن الأمام البخاري رضي الله عنه عن السيدة عائشة أم المؤمنين أن أعرابيا جاء إلي النبي ( ص ) فقال أتقبلون صبيانكم ، فما نقبلهم، فأجاب النبي ( ص ) أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك .
وقوله (ص) للأقرع بن حابس التميمي حين قال إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت أحد منهم،

 فنظر إليه النبي ( ص ) قائلا من لا يرحم لا يرحم . (رواه البخاري).
( محمد سعيد مولوي 1994)
كما يدعو الإسلام إلي المساواة بين الأنباء مساواة مطلقة وبعدالة شاملة فلم يفرق في المعاملة بين الذكر والأنثى حيث قال الأمام أحمد في مسنده ابن حيان قول النبي ( ص ) (سووا بين أولادكم في القبل) . ولكي يقتلع النبي ( ص ) من بعض النفوس الضعيفة جذور الجاهلية خص البنات بالذكر وأمره بالإحسان إليهن، كما أمر الأباء بحسن رعايتهن والعناية بهن حتى يكن طريقهم إلي الجنة

فقال ( ص ) ( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصابعه).( رواة مسلم).
وقوله ( ص ) في مستند الأمام أحمد( من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن من جدته ( ماله ) كن له حجابا من النار) .
وقد نهي الإسلام عن تفضيل أحد الأبناء حين قال النبي ( ص ) (ساووا بين أولادكم في العطية).( رواه الطبري ).
كما روي أن رجلا جاء إلي النبي ( ص ) فجاء ابنه بعده فقبله وأجلسه علي فخذه وجاءت ابنه له فأجلسها بين يديه

 فقال ( ص ) ألا سويت بينهما .
ويضع الإسلام استراتيجية خاصة في إصلاح الطفل وتربيته فإن كان ينفع مع الطفل الملاطفة فلا يجوز للمربى أن يلجأ إلي الهجر وأن كان ينفع الهجر أو الزجل فلا يجوز له أن يلجأ ألي الضرب، فأن عجزت الوسائل الإصلاحية الممكنة فلا بأس أن يلجأ للضرب بشروط وضعها الإسلام .
ويدل علي الإستراتيجية السابقة قول عمر بن أبي سلمه عن التوجيه والوعظ والإرشاد كوسيلة أولي في التربية حيث يقول كنت غلاما في حجر رسول الله ( ص ) وكانت يدي تطيش في الصفحة فقال لي النبي ( ص ) يا غلام سم الله وكل يمينك وكل مما يليك . أما فيما يتعلق بالهجر فما قاله بن المغفل لقريب له وكان دون الحلم حين حذف ( رمي الحصى بالسبابة والإبهام ) فنهاه وقال له إن رسول الله ( ص ) نهي عن الخذف فانه يقتل الصيد ولا ينكأ العدو وانه يفق العين ويكسر السن ثم عاد الفتى فقال له أحدثك أن النبي ( ص ) نهي عنه ثم عدت تحذف ؛ لا أكلمك أبدا .
وفيما يتعلق بالضرب وقوله ( ص ) مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع.
وهكذا نجد أن الإسلام وضع استراتيجية للعلاقة بين الطفل ومن يتولى تربيته وهذه الاستراتيجية تتدرج من الوعظ إلي الهجر وأخيرا الضرب غير المبرح فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلي الأشد إذا كان الأخف ينفع وهذا هو الإسلامي في التربية .
ولم يكتفي السلام باهتمام بالطفل بعد ولادته بل تجاوز ذلك واهتم بالحمل حين حدوثه حين ذكر البشارة بالمولود في مناسبات عدة إرشادا وتعليما للأمة السلامية ؛

 فها هي الملائكة تبشر سيدنا ذكريا عليه السلام { فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب آن الله يبشرك بيحى } أل عمران : 39.

وقوله تعالي في بشارة إبراهيم { وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } هود : 71 .
كما أهتم بالمولود من لحظة ميلاده مباشرة عن طريق الأذان في اليمني ؛ وإقامة الصلاة في أذنه اليسرى مصداقا لما رواه أبو رافع حين قال رأيت النبي ( ص ) أذن في الحسين بن علي حين ولدته فاطمة .( رواه أبو داود والترمذي )
 

الصفحة التالية