المعالجة الإسلامية لهذه الظاهرة
قبل أن نصف الدواء دعونا نبحث عن أصل الداء أولا . لهذا
جعلت الدراسة الموجزة ذات شقين :
• الشق الأول مواطن الداء في مخالفة أمر الله .
• الشق الثاني المعالجة والتطيب .
الشق الأول: موطن الداء يكمن في مخالفة أمر
الله
ألم نؤمر بمجتمع الخيرية ذلك الذي يسوده العدل والمحبة والتكافل والرحمة أما قال
الحبيب صلى الله عليه وسلم ( لو تعاطى الناس أسباب المحبة لاستغنوا بها عن الحكام )
. أين توظيف الزكاة والحرص على مصارفها . أين الصدقات لتربوا النعم .
أين حديث الحبيب ( من كان عند فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) . أين التواصي
بالحق والصبر أين مني حق جاري ( ما زال جبريل يوصيني بالجار ) أين الأمر الرباني
بالصلات الرحيمة ( الخالة بعد الوالدة والعم بعد الأب ) وإلا فلماذا شُرع الميراث ؟
الآن عرفت لماذا ارتبطت قطيعة الأرحام بالإفساد في الأرض كما في الآية الكريمة ( هل
عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) أين الغيرية والإيثار
والمؤاخاة كما في قوله ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) . ألم نؤمر بتيسير
الزواج ، وإغاثة الملهوف وفك كربة المكروب ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( أحب
الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال عند الله سرور تدخله على قلب مؤمن أو
تكشف عنه كربه أو تقضي عنه دينه . ولأن أمتي في حاجة أخي المؤمن أحب إلى من أن
اعتكف . وعندما شُرع الطلاق فما كان إلا لضرورة استحالة العيش فهو تشريع استثنائي
شُرَّع للضرورة أن استحالة العيش بين الزوجين . ولكن الجهالة البينة بأحكام الأسرة
في الشريعة تدفع الزوج إلى تطليق زوجته مرات ومرات لإظهار سطوته الذكورية فإذا بها
تبين منه وربما دون أن يقصد ذلك . وحتى بعد التطليق فهناك ضوابط شرعية لحماية
المرأة والأطفال . فلا بد وأن يكون التطليق بإحسان أو بالمعروف بل عبر عنه بقوله
تعالى
( وسرحوهن سراحا جميلا ) ثم أمر بالنفقة على الزوجة وبالنفقة على الأبناء . كما أمر
بحق الرؤية سواء في فترة حضانة الأم أو ولاية الأب . فالمعلوم أن الطلاق فيروس خطير
يصيب الأكباد أي الأبناء في مقتل لهذا اهتمت الشريعة المحكمة بتربيتهم وإعدادهم
نفسيا وبدنيا بالأمر بالرضاع والحضانه والتربية والتعليم . بل جعل لولي الأمر
الممثل في الدولة أو من ينوب عنه أن يتولى أولئك إن افتقدوا العائل …. يقول الحبيب
صلى الله عليه وسلم ( أنا ولي من لا ولي له ) ولو تتبعنا نظام الإسلامي الممثل في
الأوقاف الخيرية لوجدنا كيف كانت تتسابق الجهود والقلوب لإحياء أولئك بوقف الدور
والأموال والأراضي على تربيه وتعليم وتطيب من فقدوا ذويهم . وما أحوجنا اليوم إلى
إحياء هذا النظام .
الشق الثاني المعالجة والتطيب من المنظور الإسلامي .
أولا : الإيمان المطلق بالله واليقين أننا سنقف بين يديه وسنحاسب على ما فرطنا (
وإن إلى ربك الرجعى ) ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم لا تجزون إلا ما كنتم
تعملون ) . وقوله أيضا (وأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسينسره لليسرى) .
وفي الحديث الشريف ( لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ) . ويقول
الإمام على كرم الله وجهه إذا كنت في أدبار والموت في إقبال فقد قرب الملتقى . من
هنا كان إحسان العمل مطلوب جوهري والإحسان على قدر الإخلاص . وفي الحديث القدسي (
الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي ) . وعلى ذلك فكل من تصدى لعمل
خدمي لابد أن يعلم أن الله ناظره وهو بين مقامي المراقبة والمشاهدة .
يقول الحق ( وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) ويقول الحبيب ( كلكم
راع وكلكم مسئول عن رعيته ) وأيضا ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت أو يقول ) .
فمن القمة السامقة إلى القاعدة العريضة لو حرصوا على الإخلاص لله وإحسان العمل رغبة
في مرضاته وحده ودون النظر إلى رقيب إلا هو لما رأينا هذه العذابات الموجعة ممثلة
في أطفال لا حول لهم ولا قوة .
ثانيا : أهل الحوائج فئة واحدة في الشريعة الإسلامية .
الإسلام لم يفرق بين معوز ومعوز . فما دام ينطبق عليهم
وصف الحاجة والمسكنة أو فقد العائل والمأوى . فالأمر بالعطاء لكل من ينسحب عليه هذا
الوصف سواء أكان مسلم أم غير مسلم قريب أم بعيد . وعندما نتحدث عن اليتيم فلا نفرق
بين من وجد في هذه الحياة الدنيا يحمل هوية مجهول النسب أو من لفظته أبوة جاحدة وهو
معلوم النسب ففي الحالين وقع عليه ظلم ولا حول له ولا قوة إلا بالله ويؤكد هذا
المعنى الذي يختلف مع العرف السائد للأسف قول الحق ( فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم
في الدين ) فقوله " لم تعلموا " أعم واشمل من لو قال فإن " فقدوا آبائهم " إذ سيكون
الخطاب منصرفا إلى اليتامى بوفاة الأب فقط أما عدم العلم بالأب فلا ينفي وجود الأب
. وعدم العلم هذا . يصيب مجهول البوين بمرارة وانكسار وحقد ونقمة على من لفظوه مرات
فلا نعجب إن رأيناه يبحث عن هوية ولو غير مشروعه بين الخارجين عن القانون من هنا
يتأكد لنا أنهم أكثر احتياجا للمزيد من العناية والاهتمام .
ثالثا " المأوى مطلب لفاقد العائل في الشريف "
وبالطبع سأتحدث عن كل من حُرم المحضن الطبيعي " الأسرة " سواء نتيجة لوفاة أو نبذ
أو طرد أو تخلى . إن المأوى أول مطلوب ذُكرى في القرآن الكريم لأولئك المعوزين فهو
التفاته رحيمة تستحش القلوب وخاصة عندما يخاطب بها اليتيم " العظيم " قدوة الأيتام
الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ( ألم يجدك يتيما فأوى ) .
فعلينا أن نبدأ بإعداد المأوى الفوري الآمن لكل يتيم حتى نساعد الصغير على أن تندمل
جراحات نفسه قبلما يتأثر بثقافة الشارع .
رابعا : العائلة المؤمنة محضن آمن لا عائلة له.
ثم يتضح لنا من سيرة المصطفى أن إيواء اليتيم في حضن أسرة المؤمنة وبين عائلة رحيمه
أنفع لليتيم والأكثر حميميه لو كان ذا مقربة أي يضم إلى قريب يعالج احتياجه أن كان
معوزا أو إلى كل من تستشرف نفسه المعاني الإيمانية الخالصة فالإسلام نسب ورحم بين
أهلة
خامسا : دور الإيواء بين يدي الرحماء.
يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الله .
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء كثرت دور الرعاية لمجهولي النسب وأطفال
الشوارع واشتد نزيف القلوب الرحيمة على الحالة المزرية التي وصلوا إليها ( بداية من
سجون الترحيل إلى دور الأحداث أن الأمر يحتاج إلى ضمائر رُبيت إيمانيا تعتبر إن
رعاية أولئك من أعظم القربات إلى الله ولنعيد مرة أخرى نظام الأوقاف الخيرية . هذا
إلى جانب التوصيات التالية :
وأخيرا فنحن بحاجة إلى نظرة متعمقة في أحوال المجتمع المصري لمعرفة أسباب تفشي هذه
الظاهرة وبداية نشأتها لنصع حلا أكثر عمقا للمشكلة فليس الحل في زيادة المؤسسات
الإيوائية فقط ، نحن نريد حلا يحتوى المشكلة من كافة الجوانب
( نريد النموذج
المتكامل )
هذا النموذج المتكامل قد يكون في صورة مؤسسة تربوية تعمل في الجوانب التالية :
الجانب الإعلامي وتغيير نظرة المجتمع لأطفال الشوارع –اللقطاء أو مجهولي النسب
الإيواء لتلك الفئات المحرومة
• الأعداد لتلك الفئات المحرومة من الأطفال واستحداث دور إيواء تراعي فيها الجوانب
الإنسانية والتربوية والنفسية.
• الأعداد والتأهيل الجيد لهؤلاء الأطفال
• الأعداد والتأهيل للعاملين في مجال رعاية هؤلاء الأطفال
• العمل على تشجيع احتضان الأطفال عن طريق السر القادرة
• أعداد المناهج التربوية اللازمة لتربية هذه الفئة من الأطفال
• عمل قاعدة أبحاث اجتماعية ونفسية تعالج هذه المشكلة وأثارها
• عمل ورش تعليمية لتعليم هؤلاء لأطفال حرفة تفيدهم في التكسب في المستقبل
إدارة التبرعات العينية والنقدية بشكل أكثر رشدا
• النظر بعين الاعتبار إلى العشوائيات وحصر تعداد المدارس والتعرف عن طريق الإحصاء
على عدد المتسربين من التعليم . والعمل على توفير بيئة صحية ونفسية لساكنيها فهي
مفرخة لا يستهان بها لأطفال الشوارع على ما هي عليه .
اللهم بلغت اللهم فاشهد
د/ عبلة الكحلاوي
عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية
بنات – بور سعيد
رئيس قسم الفقه المقارن
بنات – القاهرة -جامعة الأزهر