بسم الله الرحمن الرحيم
ظاهرة أطفال الشوارع ومعالجة الإسلامية لجذورها

[ بسم الله الرحمن الرحيم] أمر الحق أن نبدأ كل قول وفعل بذكر صفتي الجمال والجلال الرحمن الرحيم حتى لا يخلو منهما كل أمر ذي بال . ثم ابتعث رسوله رحمة مهداه للإنسانية جمعاء فيصفو العيش بعد كدر . وتنقشع الظلمات التي حاقت بالإنسانية على مر الأجيال .
يقول تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين } وحتى لا ننسى أن يكون لنا وصلا من صفته وأسمه جل علاه يذكرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم بصفة محببة { الراحمون يرحمهم الله ( ثم يأتي الأمر ) { ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء } .
ثم توالت الوصايا القرآنية بالفقراء والمعوزين واليتامى والمساكين { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرا وأن تخالطوهم فإخوانكم } وأيضاً { إنما الصدقات للفقراء والمساكين …..} وأيضا [ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا ] [ أرئيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ] وأيضاً [ كلا بل لا تكرمون اليتيم ] .
وعلى الرغم من تضافر الجهود الطيبة لخدمة هذه الفئات تنفيذاً للأمر الرباني إلا أن هناك فئة أفرزتها الجهالة والعوز والاحتياج والمسكنة " والعشوائيات " بل أسُقطوا أيضاً من حسابات أهل المروءة كما أسُقطوا قبلاً إلى قاع المدينة ولفظتهم المعايير والاعتبارات الاجتماعية .
عندما لفظتهم أسرهم وربما أقدارهم فتوسدوا الثرى والتحفوا بالعراء وشربوا من نقيع نفايات الطريق أنهم أطفال الشوارع . الشريد الصغير الذي ولد ليطرد ثم يطارد ثم يزج به بين الصغار والكبار في سجون الأرض أو شباك الجريمة . لك المسكين الذي وصم بكل مستقبح لا لجريمة محددة وإنما لأنه بلا هوية بلا أسرة بلا عائل .

عالمية الظاهرة :
الحق تفاقمت هذه المشكلة في الآونة الأخيرة وأصبحت تشكل خطرا على المجتمعات الدولية بصفة عامة وخاصة تلك التي تبرز فيها هذه المشكلة فقد أثبتت الإحصاءات العالمية أن هناك ما يقرب من 100 إلى 150 مليون طفل يهيمون في الشوارع بلا مأوى بلا طعام بلا شراب أو أدنى رعاية صحية أو نفسية أو اجتماعية . أما في المنطقة العربية فلإحصاء الذي صدر عن
المجلس العربي للطفولة و التنمية ينبئنا أن تعداد الأطفال الذين يهيمون على وجوههم في الشوارع يتراوح ما بين 7 إلى 10 مليون طفل

 

أسباب الظاهرة ( أطفال بلا مأوى )
إن وضحت الظاهرة على الساحة العالمية نظرا لذيوع وانتشار الفاحشة والزيادة المطردة في تعداد اللقطاء . مع الحرص على اقتناء وإعاشة وتدليل الكلاب والقطط دون اعتبار أو النظر لهؤلاء الصغار فإن الأمر في المجتمعات العربية الإسلامية يدعو إلى النظر فالملاحظ باستقراء أسباب ظاهرة أطفال الشوارع في البلاد العربية الإسلامية وجد أن اللقطاء ومجهولي النسب يشكلوا نسبة لا يستهان بها هذا إلى جانب زيادة تعداد الوفيات في الأسرة نتيجة لانتشار الأوبئة والأمراض وخاصة في المناطق الفقيرة ( المعروف باسم العشوائيات ) مع انخفاض مستوى الوعي الصحي ، إلى جانب زيادة تعداد الوفيات نتيجة للكوارث الطبيعية ، والحوادث الجماعية .أيضا زيادة تعداد المشاركين في جرائم التهريب والاتجار في المحرمات مما ينجم عنه اعتقال أو سجن عائل الأسرة . أيضاً التفكك الأسري وزيادة معدلات الطلاق وغياب الوعي الديني والاجتماعي بحقوق الأطفال الذين لم يجدوا محضنا سوى الطريق ، زد على ذلك ضعف الروابط الأسرية التي كان يمكن أن تشكل جسرا حاميا لهؤلاء الأطفال ، كذلك مرض العائل أو وفاته أيضا وسوء الأحوال الاقتصادية التي تعني انهيار أمال الشباب في تكوين أسرة سوية مما يدفعهم إلى الزواج السري أو العرفي أو العلاقات المحرمة والنتيجة فلذات وأكباد على قارعة الطريق . أيضا غياب دور الأب الراعي لأبنائه وانشغاله بالسفر والترحال هذا إلى جانب غياب الوعي الثقافي، واعتبار التعليم ضرورة تؤمن للأبناء حرفة تقيهم العوز والحاجة .
فإذا بأحد الأبوين يغض الطرف عن تسرب الأبناء من التعليم الإلزامي ليعمل بأجر يومي زهيد كبائع متجول أو يتسول قوت يومه أو يلح في تنظيف سيارة …إلى الخ .

أثر ثقافة الطريق
لكل بيئة أثرها على صاحبها فتضفي عليه من ثقافتها وعاداتها وقيمها . وأطفال الشوارع يستقون خبراتهم من الأكبر سنا فنهم . فهم في كر وفر دائم من الشرطة ومشرف الإصلاحية وبالتالي يعوزهم السواء النفسي وهم في قلق وخوف دائم . وهم في هم وكمد لازم بدءاً من توفير قوت يومه وانتهاء بالحصول على ملاذ آمن لينام ليله في العراء بلا وثار . وغالبا ما يقع في شباك خفافيش الظلام من عتاة الأجرام الذين يزودونه بالكاد بطعام في مقابل استغلاله كأداة من أدوات الجريمة أو للمتعة المحرمة. هذه النماذج العديدة التي يلتقي بها صبي الطريق تكسبه خبرات متنوعة رغم حداثة سنه فإذا بالحرمان والظلم والمعاناة. هذا فضلا عن التعرض لحوادث الطريق والأمراض المعدية الخطيرة تحيل هذا البائس المحزون إلى قنبلة موقوتة فيفجّر أشرس طاقات الغضب والانتقام والتشفي في كل من حوله . لقد تشبع بقيم فرضها الطريق دونما مهذب أو مؤدب والطامة الكبرى لو اسُتغل جنسيا قهرا . ذلك ما سجلته الصحف السيارة في الآونة الأخيرة حول السائح المصاب بالإيدز الذي استغل عددا غير قليل من هؤلاء الصبية والذين اعترفوا عليه مؤخرا ولكن بعد ما انتقل إليهم الداء اللعين ( مرض نقص المناعة ) وبعدما قاموا بدورهم في نقله لغيرهم نكاية في المجتمع وحنقا عليه إنها ثقافة الانتقام والتشفي والقسوة . زد على ذلك ابتداع وسائل للتغييب العقلي كشم الكلّه والبنزين والترويج لها بين تلاميذ المدارس في العشوائيات وغيرها وطبيعي أن ينتقل إلى المواد المخدرة الأخرى بعدما انضم تلقائيا إلى هذه الشريحة فإذا به يتحول إلى السرقة وكافة أنواع الانحراف التي من شأنها أن تهدد أمن وسلامة المجتمع .
الخطر يستنفر الأمة
كان للاهتمام الذي أولته هيئه الأمم المتحدة بأطفال الشوارع أبلغ الأثر في بث الوعي بمخاطر هذه الفئة مما أعطى القضية بعداً دوليا أكثر في التركيز والنظر وتصويب ومعالجة الأخطاء السابقة وخاصة بعدما أظهرت نتائج الاستطلاع التي أجرتها الجهات المعنية بالأمر في الهيئة الموقرة على هذه الفئة . مدى تدني هذه الشريحة من جراء سوء معاملة الجهات الحكومية الأمنية والاجتماعية مما كان له ابلغ الأثر في البحث عن حلول سريعة لهم . من ذلك من تنبي المجلس العربي للطفولة والتنمية مشروعا في خمس دول عربية منها مصر والمغرب والسودان واليمن ولبنان تحت عنوان " المشروع العربي لحماية ورعاية أطفال الشوارع " والذي يدعو إلى تحفيز الحكومات والمجتمعات العربية ومنظمات المجتمع المدني للاضطلاع بمسؤليتها تجاه هذه الفئة . ودعم الجهود الرامية لتقديم أفضل الخدمات الأساسية لهم . وأيضاً تستعد مصر لإطلاق خطة قومية لحماية وتأهيل أطفال الشوارع بناء على ما أعلنته السيدة سوزان مبارك رئيس اللجنة الفنية الاستشارية للمجلس القومي للأمومة والطفولة . ولكن هل هذه الجهود والنيات الطيبة تكفي وحدها لاستئصال هذا الخبث أن الأمر يحتاج إلى مراجعة للقضية برمتها .

 

الصفحة التالية