المؤلفات الدينية للدكتورة عبلة الكحلاوى
مقدمة
اللهم اكفنا شر الأصغرين ، قيل : و ما الأصغران ؟ قيل : القلب و اللسان . سمى
القلب قلباً لأنه متقلب يقلبه الله حيث يشاء بين حب و بغض .. بين غضب و تسامح ..
اما اللسان فلأنه فوهة القلب ، و معبر العباره المختزنه و الشعور الكامن . و
المرأة و هى المخلوق الضعيف الذى يتنسم الحياه بمشاعره القلبيه حيث تسرى فى
اوداجها دفقات الحنان ، تلك التى تجعل معيار سعادتها عاطفه مستقره فى وجدان شريك
قوام تحتمى به و تسعد فى رحابه ، و تفخر به امام لداتها ، فهو موضع احترام و
تقدير . و هى زوجه التى اختارها بعقله قبل قلبه ، و هى التى حظيت به دون بنات
حواء جميعاً .
من هذه الركيزه المستقره يتواصل عطاء المرأة ، و يتجدد الدم النقى فى عروق
الليالى ما دام القلب عامراً بالحب الصادق الذى امده الرحمن بمدد من نفحات الرحمه
و ديمزمة المحبه . أما أن تفقد المرأة فى كنف الشريك و القائم واحده من هذه
المهام ، فإن الوهن عندما يتسرب إلى نسيج المحبه ، و يتحول ((الدانتيل)) الرقيق
فى ثوب الزوجيه إلى ثوب تتكشف من خلالها العورات ، فتجهض علقة القبول من رحم
المحبه ، و تسكن عناكب الملل و النفور فى الدم المتخثر المتحشرج فى اروقة القلب و
الروح .. و هنا لا تجد إلا امرأة هدمت فى صباها ، و أطفئت مصابيح الشباب و
النضارة فى مقلتيها ، و تسللت الانواء تعبت فى كيانها فتستوى الاشياء فى ناظريها
طاعه او نشوزاً ، فالكراهيه وجه قبيح بألف قناع ، فهى عاصيه له لا تطيع له امراً
، و هى ممتنعه عن فراشه .
و لقد آثرت أن أقف على أسباب عزوف النساء عن ((ديناميكية)) الحياه الزوجيه و
الوقوف منها موقف غير المبالى ، أو الرافض ، فالأيام فقدت رونقها ، و الاعوام
تتقاذف كلاً من الشريكين إلى يوم لا يوم مرفأ له ، م لا تزيدهم الاعوام سوى
شعيرات بيضاء تتوج ليلهما الممتد ، و هالات من دخان متبق من مسيرة قطار العمر .
الصمت و التصبر من أجل ولد جاء على حلبة الكراهيه فجاء راكداً بارداً . او من
اجل الحفاظ على الكيان الاجتماعى ، و اسم العائله التى اكاها داء التحنيط فصارت
كالعهن المنقوش .
هن راضيات كارهات عازفات رافضات و هن فى خاتمة امرهن لربهن عاصيات ، و كفاهن
حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم :
((ثلاله لا ترتفع صلاتهم فوق زؤوسهم شبراً : رجل أم قوماً و هم له كارهون ، و
امرأة باتت و زوجها عليها ساخط ، و أخوان متصارعان)) .
و عندما قذفت بمقولتى المحذرة فى بحيرة صمتهن الآسن المعتم ، خرجت الكلمات
الفواره كأنها جذوره مشتعله ابداً تزيدها بروده الايام اشتعالاً ؛ فألقت كل منهن
إلى مسامعى كل ما فى جعبتها و تخلت . و اجترت من اغوارها عصفاً مأكولاً هرسته
افيال الصمت ، و خرجت من هذه الامواج الصاخبه بشباك سخيفه الاحزان ، عظيمة الجذور
و الاصداف الفارغه التى لا بريق لها سوى فقاعات الهواء المخزون .
و إذا بى أمام صنوف من الرجال أهدروا كيان الأسره ، و أصروا و استكبروا استكباراً
، و أصدوا الباب أمام كل الحلول المشروعه . من هؤلاء : الزوج الذى أجبرت عليه
المرأه و هى كارهة له ، و الزوج الذى لا يعمد إلى إعفاف الزوجه و هو قادر عليه ،
و الزوج الذى يبخل بالنفقه على زوجه و ولده ، و الذى لا يغار على زوجه و يدفعها
إلى مخالطة الرجال ، و الزوج الذى لا يرى المرأه سوى شريك فى الكسب و تحصيل المال
، و الزوج الذى يميل إلى الأخريات و يكثر الحديث عنهن و قد ينشىء معهن علاقات
متنوعه !! و الزوج الذى يسىء معاملة زوجته فيهينها و يجرح مشاعرها و يعيرها ، و
الزوج الذى لا يرعى لله حقاً فيها فلا يعدل فى قسمه .
و إذا بى أيضاً أمام صنف من النساء لم يتركن معبراً واحداً للتواصل و التصالح ،
من هؤلاء : الزوجه العاصيه لزوجها ، و التى لا تطيع له أمراً ، و كذلك الزوجه
الممتنعه عن فراش زوجها، و الزوجه التى تتطاول عليه بالسباب و الشتائم ، و الزوجه
المتكبره المتسلطه ، و الزوجه التى تخرج من بيتها بغير إذنه ، أو التى تستضيف فى
بيت الوجيه من كره ، أو الزوجه الممتنعه عن الإنجاب لكراهتها له ، أو التى قد
تسقط حملها نشوزاً أو إعراضاً عن زوجها .
كانت هذه أهم أسباب النشوز السلبى و الإيجابى من قبل الزوجين ، و التى وقفت
أمامها وجهاً لوجه من خلال لحظة صدق مع النفس لا تتأتى كثيراً .
هذه الاسباب التى تجعل الطلاق أمراً وارداً فى كل لحظه ، و ربما سلطة الرجل –
الذى بيده عقدة النكاح – جعلت الأمر أكثر تعقىداً عند البعض ، فمنهم من يمسكهن
ضراراً و عدواناً و إمعاناً فى كيد الكارهه ، فيذرها كالمعلقه .
و لأنها الشريعه العادله المحكمه التى لا يظلم فى رحابها مؤمن ، لم تترك المرأة
مهيضة الجناح مقهورة السلطه ، مسلوبة الإرادة ، مرتعاً لنزغات الشيطان ، تعيش
مهينة مجبره كارهه مكرهه فى سجن الزوجيه .. سجانها زوج متجبر متسلط لا يتقى الله
، ولا يفقه شريعته ، بل اعطتها الحق ايضاً فى الخلاص و الفكاك من سجن الزوجيه ..
فكان التشريع العادل يمنحها الحق فى ((الخلع)) .. الطلاق بيد الزوج و الخلع بيدها
.
و قبل الدخول فى تفاصيل الخلع ، و ما يترتب عليه من آثار قد لا تقل خطوره عن
الطلاق الذى هو أبغض الحلال –كان لابد أن نتحدث عن منهج الشريعه فى معالجة النشوز
، و التعرف على اسبابه ، و طرق معالجته سواء من المرأة او من الرجل ، و ذلك فى
معالجة تمهد لبحث الخلع .
و لله من وراء القصد ...